الشيخ محمد هادي معرفة

160

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ولنا أن نتساءل : هل تنازل الإسلام في تشريعاته الأولى - ولو في جوانب منها - إلى حيث مستوى ثقافة ذلك العهد وتلاؤما مع مقتضيات عصره حتّى تصبح صالحة للتغيير مع تطّور الزمان ؟ الجواب : كلّا ، ولاسيّما التشريعات التي جاءت نصّا في القرآن الكريم . الإسلام جاء بثقافة جديدة شاملة ليرفض كلّ تقاليد جاهلية كانت سائدة ذلك اليوم ، وألبسها ثوب الخلود « حلال محمّدٍ حلال أبدا إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة » . « 1 » إلّا ما كان من قبيل التدبير في الشؤون السياسية لإدارة البلاد وفق شرائط الزمان على ما أسلفنا . ومن ثمّ كانت التشريعات الإسلامية منذ البدء تنقسم إلى قسمين أساسيّين : ثابتة ومتغيّرة . أمّا الثابتة فهي التي شرّعت وفق مصالح عامّة عموما يشمل الأجيال والأزمان مدى الدهر ، وهي الأصل في التشريع حسب ظاهره الأوّلي ، إلّا إذا دلّت القرائن على أنّها من المتغيّرات ، وهي التي شرّعت لمصالح وقتية تنوط ببقاء تلك المصالح وتذهب بزوالها . وهذا في جانب الأحكام السياسية الصادرة من اولي الأمر نجده بكثير . وقد فصّلنا الكلام في ذلك وذكرنا المعايير التي يمكن التمييز بين القسمين ، والأصلَ المرجعَ عند الشكّ . « 2 » أمّا القول بالتنازل والمداهنة أو المجاملة مع القوم فهي عقيدة باطلة يرفضها أصالة التشريع الإسلامي المستند إلى وحي السماء ، ويأبى اللّه ورسوله ذلك . « وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ » . « 3 » * * * وسؤال آخر : هل كان الطلاق والرجوع في العدّة - بذلك الشكل الفظيع - عادةً جاهلية ليكون موضع الإسلام منها تعديلها إلى وجهٍ صحيح ؟

--> ( 1 ) - راجع : صحيحة زرارة في الكافي ، ج 1 ، ص 58 ، رقم 19 . ( 2 ) - تجد جانبا من ذلك في رسالتنا « ولاية الفقيه » الفارسيّة ص 172 - 174 . ( 3 ) - البقرة 120 : 2 . وفي آية أخرى : « وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إذن لَمِنَ الظَّالِمِينَ » . البقرة 2 : 145 . وفي ثالثة : « وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُظِلُّوك عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » . الأنعام 116 : 6 .